أيوب صبري باشا
16
موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب
الحجازية ، وكل واحد منها قد أسس وفتح تحت أبراج منقوشة بألوان متنوعة ومستحكمة بنيت لصد هجمات عربان البوادي ، ويبعد كل واحد عن الآخر مسافة منزل رصاص وبنيت مطابقة لفن وقواعد بناء القلاع والحصون على شكل نصف دائرى ، وصنع فوق جدران الأسوار بعض الأبراج وزرعت في داخل المدينة وخارجها أشجار نخيل لا تعد ولا تحصى وذلك بمساعدة وفرة المياه وجودة الهواء . ولم يكن في عصر السعادة أسوار ولا مستحكمات ، وكانت دور أجداد الأنصار من قبائل « الأوس والخزرج » متصلة بعضها ببعض مثل قرى متسلسلة ، لذا كان شكل المدينة الطاهرة بلدة طولية جسيمة وقد وصل أحد أطرافها إلى قرية « قباء » التي تثير الشوق إليها . وقد دام عمارها الذي حدث في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى واقعة الحرّة الشهيرة ، وبعد ذلك آلت إلى الخراب تدريجيا ، وبما أنها قد صغرت إلى أقصى حد في عهد طائع اللّه بن المطيع للّه العباسي ، فقد أخذ العربان الذين يسكنون الصحراء يثورون من حين لآخر ويطوفون ويمضون ثم يغيرون على المدينة وينهبون أموال الأهالي ويستولون على كل ما يمتلكون ، فأراد عضد الدولة « 1 » ابن بويه أن يحمى سكان دار السكينة وأموالهم من نهب أشقياء البدو وأن يخلصهم من تسلطهم ، فأحاط تلك المدينة بسور متين في سنة « 360 ه » « 2 » ، ودام السور الذي بناه عضد الدولة وأسسه ما يقرب من مائتي عام ، إلا أنه لم يعمر ولم يصلح ولم يرمم لفترة طويلة فآلت أبراجه وجدرانه بالتدريج إلى الخراب واندرس حتى لم يبق أثر لأسسه ، وأخذ العربان الذين لا يذعنون في إزعاج الأهالي ، لذا بنى صاحب رباط العجم « 3 » « جمال الدين محمد بن أبي منصور » الأصفهاني سورا جديدا قويا فوق أنقاض السور القديم المندرس ، وبهذا
--> ( 1 ) كان هذا الشخص وزير « طايع اللّه أبو شجاع ركن الدولة » ومن آثاره الخيرية سوق شيراز الذي يطلق عليه « سوق الأمير » ودار شفاء بغداد ، وأضرحة الإمام على والإمام الحسين « رضى اللّه عنهما » في النجف بكربلاء ( 2 ) يروى البعض أن السور المذكور قد طرح في سنة « 363 ه » . ( 3 ) قد عرف موقع هذا الرباط في الصورة الأولى من الوجهة الثانية عشرة .